بين طموحات التسوية التي صيغت في غرف الدبلوماسية المغلقة، وحقائق الجغرافيا العسكرية التي تُفرض بقوة السلاح على الأرض، تتبخر معالم الاتفاقات السياسية ليبقى قطاع غزة محاصرا بين تمدد استيطاني عسكري مستمر وخطر السقوط المباشر في المجاعة.
وتبرز مذكرة البنود الـ15 الصادرة عن “مجلس السلام” بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كأحدث المرجعيات التي وُلدت معطلة بقرار سياسي وميداني إسرائيلي، ما يطرح سؤالا جوهريا: ماذا تبقى عمليا من إطار السلام بعد نسف ركائزه التنفيذية؟
المرجعية المعطلة.. تفكيك “مذكرة الـ15 بندا” والتناقض الهيكلي
تقوم الرؤية الأصلية للمذكرة المكونة من 15 بندا، والصادرة عن “مجلس السلام” برئاسة ترامب كجزء متمم لخطته ذات الـ22 نقطة، على معادلة مزدوجة ومترابطة إجرائيا؛ حيث تنص على “نزع سلاح حركة حماس والتدرج فيه بالتزامن مع انسحاب تدريجي ومرحلي لجيش الاحتلال الإسرائيلي” من قطاع غزة.
ووفقا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن هذا الاتفاق محطة تاريخية مفصلية تضمن عدم استخدام غزة مجددا كقاعدة للهجمات ضد إسرائيل، مقابل نقل إدارة القطاع كاملا إلى “حكومة فلسطينية جديدة” بالتعاون مع قوة استقرار دولية ووسطاء إقليميين.
وقد أبدت حركة المقاومة الفلسطينية حماس قبولا مسبقا لخطة نزع السلاح وتسليم السلطة لـ”اللجنة الوطنية الفلسطينية” التي تُشكل حكومة تكنوقراط مستقلة، لكنها اشترطت أن يكون نزع السلاح الثقيل والتنظيمي والتخلي عنه مشروطا بإنهاء إسرائيل لكافة أشكال العدوان والانسحاب الكامل.
وتقضي الآلية المفترضة بتخزين السلاح الثقيل تحت إدارة اللجنة الوطنية، مع تسليم الأسلحة الفردية والشرطية تدريجيا لشرطة فلسطينية جديدة تحت إشراف “قوة الاستقرار الدولية”.
لكن، هذا البناء الإجرائي واجه انهيارا هيكليا كاملا بصدور إعلان رسمي وصريح من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماع الحكومة، يوم الأحد الماضي، وجه فيه ضربة مباشرة لإعلانات “مجلس السلام” بالتوصل لاتفاق كامل لتجريد السلاح.
وقال نتنياهو: “إسرائيل ترفض وثيقة الـ15 بندا”.
واشترط نتنياهو “تجريدا كاملا وفعليا لا شكليا لسلاح حماس كشرط مسبق لأي خطوة عسكرية”، مشددا على أن جيش الاحتلال “لن ينسحب مليمترا واحدا” من القطاع قبل تحقيق ذلك، ما عطل التزامن والمرحلية، وشل جدول الـ14 يوما الذي كان محددا لوضع الإطار الزمني لنزع السلاح.
وفي تحليلها لهذا التعثر، ترى إيرينا تسوكرمان، محامية الأمن القومي الأمريكي، أن المبادرة بُنيت بالأساس على “فرضيات هشة” حاولت الجسر بين أهداف استراتيجية متناقضة جذريا لا يمكن التوفيق بينها؛ فإسرائيل تصر على تدمير القدرات العسكرية والإدارية لحركة حماس كشرط أولي مسبق لأي تسوية، بينما ترى حماس في مجرد بقائها العسكري والتنظيمي انتصارا حاسما ترفض التنازل عنه.
وبحسب تصريحات تسوكرمان لـ”مصراوي”، حوّل هذا التعارض الجوهري المذكرة من خارطة طريق عملية إلى مرجعية شكلية وتمرين نظري بلا مقومات على أرض الواقع.
الجغرافيا المتآكلة.. زحزحة “الخط الأصفر” وفرض الاحتلال الدائم
ينعكس الفشل السياسي مباشرة على خرائط السيطرة الميدانية؛ إذ ينص ملحق الاتفاق على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى “الخط الأصفر” المتفق عليه خلال 24 ساعة من الموافقة الرسمية.
لكن على عكس ذلك، يكشف تحقيق بصري أجرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، إضافة إلى شهادات وثّقتها وكالة “أسوشيتد برس” أن جيش الاحتلال تجاوز الحدود الأصلية للسيطرة المؤقتة المحددة في خطة ترامب التي طُرحت في أكتوبر 2025.
وقامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بزحزحة “المكعبات الخرسانية الصفراء” إلى عمق القطاع بمسافات تتجاوز الكيلومتر الواحد في بعض المناطق، لتفرض سيطرتها الفعلية على أكثر من 60% من مساحة غزة، متجاوزة نسبة الـ53% المقرة في اتفاق أكتوبر.
تتماشى هذه التغييرات الميدانية مع تعهد نتنياهو في يونيو الماضي بتوسيع منطقة السيطرة العسكرية لتصل إلى 70% من مساحة القطاع، ما ينسف عمليا مبدأ الانسحاب المرحلي.
هذا التمدد الجغرافي أثار خلافا علنيا مع واشنطن؛ حيث أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام لجنة الاعتمادات بمجلس النواب آنذاك، عدم تأييد إدارة ترامب لتوجهات نتنياهو الهادفة لقضم 70% من القطاع.
وشدد روبيو، على أن هذه الخطط “تخالف رؤية ترامب لإنهاء الصراع وإعادة إعمار القطاع ولا تندرج ضمن بنود الخطة الرئاسية”، مؤكدا أن الهدف النهائي يتلخص في قيام جهة غير تابعة لحماس بحكم غزة دون الحاجة لاقتطاع هذه المساحات الجغرافية الكبيرة.
وفي أثناء ذلك، تبرز شروط صاغها نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لقطاع غزة، تمنح إسرائيل حق الانسحاب المشروط بما وصفه بـ”النظافة الأهلية”، موضحا في تصريحات للقناة 12 العبرية، أن قوات الاحتلال “ستنسحب فقط من المناطق التي سيعلن خلوها من السلاح والأنفاق بشكل كامل”، مع مطالبته بتجميد القوات خلف “الخط الأصفر” لمنع الانهيار الكامل للاتفاق.
مع ذلك، حذّر خبراء ومحللين عسكريين، مثل أندرياس كريج من “كينجز كوليدج لندن” وراي آدمز محررة الأبحاث في فريق غزة بوكالة “فورينسيك أركيتكتشر” البحثية التابعة لجامعة “جولدسميث” في لندن، في تصريحاتهما لشبكة “سي بي سي نيوز”، من أن هذا الخط يتحول عبر تشييد البنية التحتية العسكرية الثابتة من ترتيب مؤقت إلى “حدود مادية واحتلال دائم غير قانوني” يهدف لحشر 2.1 مليون فلسطيني في أقل من نصف مساحة القطاع.
وقد تحول هذا الخط ميدانيا إلى “منطقة قتل عشوائية”؛ إذ تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى استشهاد 196 فلسطينيا بينهم 18 امرأة و43 طفلا بالقرب منه بين أكتوبر وأوائل أبريل الماضي، بسبب قواعد اشتباك فضفاضة تبيح القتل بناء على التخمين والحدس، وفق تأكيدات نداف ويمان، المدير التنفيذي لمنظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية، لوكالة “أسوشيتد برس”.
انسداد الحوكمة والتنفيذ.. اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار
على الصعيدين الإداري والأمني، يعيش القطاع حالة من الفراغ والشلل التنفيذي؛ فرغم إعلان حماس حل حكومتها واستعدادها لنقل المهام إلى “اللجنة الوطنية الفلسطينية”، إلا أن هذه اللجنة لا تزال تعمل من القاهرة ولم تتمكن من دخول غزة.
وعقب إعلان نتنياهو، أكدت مصر بصفتها إحدى الدول الراعية للاتفاق، على ضرورة “تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها المؤقتة من داخل القطاع” لسد الفراغ الإداري.
وطالبت وزارة الخارجية بضرورة وفاء الأطراف بالتزاماتها واستكمال الانسحاب الإسرائيلي؛ لضمان نفاذ المساعدات والبدء بالتعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية جغرافيا وسياسيا بين غزة والضفة الغربية تحت مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية.
وفي الشق الأمني، لا يزال ملف نشر “قوة الاستقرار الدولية” معطلا بالكامل؛ فرغم موافقة الكابينت الإسرائيلي سابقا على نشر نحو 200 جندي دولي من دول صديقة لمراقبة وقف إطلاق النار، ورغم تدريب مئات المجندين التابعين للشرطة الفلسطينية الجديدة في مصر والأردن، لم يتم نشر أي من هذه القوات على الأرض.
وبقي ملف عشرات الآلاف من الموظفين والشرطة العموميين السابقين معلقا بانتظار تدقيق أمني معطل إجرائيا.
وتوضح إيرينا تسوكرمان، أن غياب البديل الحكومي الواقعي والشرعية الإجرائية لإدارة الفراغ يمثل معضلة هيكلية؛ حيث لا تمتلك السلطة الفلسطينية أو أي إدارة دولية مقترحة القدرة العملية على ضبط الأمن وتوفير الخدمات حال غياب حماس.
وترى تسوكرمان، أن هذا الانسداد السياسي والأمني يعطل بشكل مباشر عمليات إعادة الإعمار؛ حيث يمتنع المانحون الدوليون عن ضخ عشرات المليارات من الدولارات دون وجود بيئة أمنية مستقرة وموثوقة، ما يدخل القطاع في حلقة مفرغة يترتب عليها فصل الملف الإنساني المعيشي تماما عن المسار السياسي.
التناقض السياسي والحسابات الداخلية بين واشنطن وتل أبيب
ترتبط مواقف نتنياهو المتصلبة ارتباطا وثيقا باقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نهاية أكتوبر 2026؛ حيث يتراجع ائتلافه الحاكم في استطلاعات الرأي، ما يدفعه للخضوع لضغوط شركائه من صقور اليمين المتطرف، وعلى رأسهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي رفض مسودة البنود الـ15 كليا، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي أكد منع تراجع جيش الاحتلال “مليمترا واحدا” في قطاع غزة.
وبناء على ذلك، أغلق نتنياهو الباب أمام الحلول السياسية، معلنا: “طالما أنني رئيس للوزراء، لن تُقام أي دولة فلسطينية، لا في غزة ولا في الضفة الغربية”، متحديا الضغوط الأمريكية بأن حكومته قادرة ومستعدة بالثبات على موقفها حتى ضد “أقرب الأصدقاء”.
في مقابل هذا التعنت، أظهرت حركة حماس مرونة تكتيكية بهدف إلقاء الكرة في ملعب تل أبيب والضامن الأمريكي؛ حيث أعاد باسم نعيم، عضو المكتب السياسي للحركة، التأكيد على الالتزام الجاد والمسؤول بتنفيذ خطة الـ15 بندا، مطالبا الوسطاء وأمريكا بالضغط على حكومة الاحتلال وإجبارها على التراجع عسكريا إلى “الخط الأصفر” المعتمد في أكتوبر الماضي ووقف العرقلة المرتبطة بحسابات نتنياهو الانتخابية.
ورغم هذا الانسداد، يرى مارك فايفل، نائب مستشار الأمن القومي الأسبق للاتصالات الاستراتيجية في البيت الأبيض، في تصريحات لـ”مصراوي”، أن إطار السلام لا يزال قابلا للتطبيق عمليا بشرط استعداد واشنطن لفرض الترتيب الإجرائي المكتوب فيه، مؤكدا أن “إطار السلام الذي يفتقر إلى عواقب رادعة لمن ينكث به ليس عملية سلام، بل مجرد بيان صحفي”.
وتتقاطع رؤية فايفل مع تحليل تسوكرمان بشأن امتناع الإدارة الأمريكية الحالية عن استخدام أوراق ضغطها الاستراتيجية الثقيلة كالتحكم في إمدادات السلاح، والغطاء الدبلوماسي، والتبادل الاستخباري؛ حيث تفضل واشنطن الإقناع والتفاوض على الإكراه والإجراءات الرادعة؛ خوفا من التكلفة السياسية الداخلية والتعقيدات الانتخابية وحساسية الموقف داخل الكابيتول، ما أدى لتآكل المصداقية الأمريكية وتراجع النفوذ العملي لصالح التطورات الميدانية التي باتت المحرك الفعلي للمشهد الدبلوماسي.
الواقع الميداني والإنساني.. سقوط الهدنة وانعدام الأمن الغذائي
تثبت الوقائع اليومية على الأرض سقوط الهدنة ميدانيا؛ إذ يؤكد جنود الاحتلال في شهادات وثقتها منظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية ووكالة “أسوشيتد برس”، أن الحديث عن وقف إطلاق النار أمام الكاميرات ليس سوى “مزحة إعلامية تضلل الرأي العام”، مع وجود أوامر صريحة بتصفية كل من يقترب من الخط الأصفر الوهمي وغير المحدد جغرافيا للمدنيين.
وقد أدى هذا الواقع الدموي المستمر إلى نزيف دائم للمدنيين؛ حيث توضح بيانات وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة الضحايا إلى أكثر من 73,000 شهيد، ونزوح نحو 1.9 مليون شخص يمثلون 90% من السكان.
وتشير البيانات الإحصائية لوزارة الصحة والمنظمات الدولية إلى ارتقاء نحو 1257 شهيدا وإصابة أكثر من 4 آلاف آخرين غالبيتهم من النساء والأطفال منذ دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، وسط حصار خانق يمنع حركة الأفراد والبضائع، ووجود عشرات ملايين الأطنان من الركام وسواتر ترابية إسرائيلية تمنع النازحين من العودة لمناطقهم.
على الصعيد الإنساني، حذر جاستن برادي، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، من وصول القطاع رسميا إلى المرحلة الخامسة من التصنيف الدولي للأمن الغذائي وهي “مرحلة إعلان المجاعة الرسمية”.
وأظهر تقييم ميداني وعلمي شارك فيه أكثر من 60 خبيرا من 20 منظمة دولية، أن 67 % من السكان، أي نحو 1.4 مليون فلسطيني، يعانون حاليا من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يقف 10% على حافة المجاعة مباشرة.
ويبيّن التقييم، أن 4 آلاف طفل يعانون من حاجة ماسة وعاجلة لرعاية صحية وغذائية متخصصة، إلى جانب دعم إضافي مخصص للنساء المرضعات.
وأوضح مسؤولو الأمم المتحدة أن هذا البقاء الحيوي الهش مرتهن بالكامل لتدفق مساعدات برنامج الأغذية العالمي الذي يغطي حاليا 75% من السكان بالمواد العينية والتحويلات النقدية منذ نوفمبر الماضي، ما يمنع الانهيار الكامل مؤقتا، في حين يظل السكان محرومين من استعادة سبل عيشهم أو العودة للزراعة.
وحذر برادي من أن أي تراجع في الدعم سيؤدي لسقوط سريع ومباشر في المجاعة، مطالبا بفصل الملف الإغاثي عن التعنت السياسي والاستثمار في برامج التعافي المبكر.
بالنظر إلى الواقع، فإن “خطة السلام الأمريكية ومذكرتها التنفيذية” تحولت من خارطة طريق عملية إلى مرجعية إعلامية شكلية تستخدم كغطاء دبلوماسي، بينما يُدار المشهد الحقيقي ميدانيا بقوة الدفع الذاتي والآلة العسكرية؛ حيث يواصل الاحتلال فرض واقع جغرافي توسعي محصنا بحسابات نتنياهو الحزبية والانتخابية لعام 2026.
وفي المقابل، تكتفي واشنطن بالتأثير النظري متجنبة الإكراه السياسي الفعلي، ليبقى قطاع غزة رهينة جغرافيا تتقلص باستمرار وكارثة إنسانية تزحف سريعا نحو المجاعة الرسمية المطبقة.




