أشعلت خرائط ومنشورات نشرتها حسابات رسمية تابعة لبعثات إيرانية في الخارج “خلافا جديدا” مع العراق، بعدما تضمنت مضامين أثارت اعتراضات بغداد، من بينها استخدام تسمية “الخليج الفارسي” والإشارات إلى أصول مرتبطة بتاريخ العراق وهويته، ما دفع وزارة الخارجية العراقية إلى استدعاء السفير الإيراني وطلب توضيحات بشأن هذه المواد.
العراق يستدعي السفير الإيراني
وفي التفاصيل، استدعت وزارة الخارجية العراقية، اليوم الأربعاء، السفير الإيراني لدى بغداد محمد كاظم آل صادق، على خلفية منشورات وخرائط نشرتها حسابات رسمية تابعة لبعثات إيرانية في الخارج، وأثارت اعتراضات عراقية بسبب ما تضمنته من إشارات اعتبرتها بغداد “مساسا بالسيادة والهوية الوطنية”، قبل أن تُبادر الجهات الإيرانية إلى سحب المحتوى المُثير للجدل.
وجاء استدعاء السفير الإيراني بهدف “الحصول على توضيحات بشأن مضمون تلك المواد”، ولا سيما الخرائط التي نشرتها سفارات إيرانية، من بينها “السفارة في كينيا”، وما رافقها من تعليقات تناولت أسماء مناطق ودلالاتها التاريخية والجغرافية.
بغداد تؤكد رفضها أي محتوى يمس السيادة
وخلال اللقاء، أبلغ الجانب العراقي السفير الإيراني رفضه لأي محتوى من شأنه “إثارة التوتر أو تقديم تصورات تتعارض مع طبيعة العلاقات القائمة بين البلدين”.
وأكد وكيل وزارة الخارجية العراقية للشؤون متعددة الأطراف والشؤون القانونية شورش خالد سعيد، في تصريحات لوسائل إعلام عراقية، أن احترام سيادة العراق وهويته الجغرافية والتاريخية يُمثّل “أساسا لا يُمكن تجاوزه في التعامل بين الدول”، مشددا على ضرورة مراعاة البعثات الدبلوماسية لطبيعة علاقاتها مع الدول التي تعمل فيها.
وأشار سعيد، إلى أهمية ألا تتحول المنصات الرسمية للبعثات الدبلوماسية إلى مساحة لطرح مواقف أو مضامين من شأنها “إثارة حساسيات سياسية أو المساس بثوابت الدول الأخرى”.
“الخليج الفارسي” يُثير اعتراضات عراقية
تركزت الاعتراضات العراقية بصورة خاصة على مضمون خرائط تضمنت استخدام تسمية “الخليج الفارسي” بدلا من “الخليج العربي”، إلى جانب مواد ربطت اسم “العراق” بأصول فارسية، في طرح أثار انتقادات داخلية باعتباره يتجاوز الجدل اللغوي أو التاريخي إلى قضايا مرتبطة بالهوية الوطنية.
كما تضمنت إحدى المواد المتداولة إشارات إلى أصول تسمية العراق وبغداد، فضلا عن خريطة حملت تسمية “الخليج الفارسي” وظهرت فيها صورة رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي، وهو ما زاد من “حدة الانتقادات”، خصوصا أن المحتوى نُشر عبر حسابات رسمية يفترض أن تلتزم بالقواعد والأعراف الدبلوماسية في تناول الدول الأخرى.
جدل أوسع حول النفوذ الإيراني في العراق
تأتي الواقعة في وقت تشهد فيه العلاقات بين بغداد وطهران نقاشا متواصلا بشأن “حدود النفوذ الإيراني في العراق”، وسط انتقادات سياسية وشعبية تتناول طبيعة الدور الإيراني في عدد من الملفات الداخلية.
ويرى منتقدون، وفق تقارير إعلامية عراقية، أن نشر خرائط ومواد تحمل مضامين مرتبطة بالهوية والأسماء الجغرافية يُضيف بُعدا جديدا إلى الجدل بشأن “احترام القرار والسيادة العراقية”، لا سيما عندما يصدر مثل هذا المحتوى عن مؤسسات رسمية تابعة للدولة الإيرانية.
خلاف جغرافي يتجاوز الحدود العراقية
لا تقتصر حساسية القضية على الجانب السياسي العراقي، إذ ترتبط تسمية الخليج بخلاف “إقليمي أوسع” بين إيران والدول العربية، بينما تظل الروايات المتعلقة بأصول أسماء المدن والمناطق العراقية “محل حساسية” لدى قطاعات عراقية ترى أن إعادة تقديم التاريخ والجغرافيا من منظور يرتبط بإيران قد تحمل أبعادا تتجاوز التفسير التاريخي إلى النفوذ السياسي والثقافي.
وفي هذا السياق، أثارت المواد المنشورة “تساؤلات” بشأن حدود الخطاب الذي يُمكن أن تستخدمه البعثات الدبلوماسية في تناول تاريخ وجغرافيا الدول التي تُمثّل إيران فيها، خصوصا في ظل “حساسية” الملفات المرتبطة بالسيادة والهوية الوطنية.
بغداد تُحافظ على قنوات التواصل مع طهران
رغم الاعتراضات، حرصت بغداد خلال استدعاء السفير الإيراني على إبقاء قنوات التواصل “مفتوحة”، إذ شددت وزارة الخارجية على أهمية استمرار التشاور مع طهران بشأن التطورات الإقليمية وانعكاساتها على أمن العراق والمنطقة.
وأكدت الخارجية العراقية، أن معالجة نقاط الخلاف ينبغي أن تتم من خلال “الحوار المباشر والأطر الدبلوماسية الرسمية”، بما يحول دون اتساع نطاق الخلاف أو انعكاسه على مُجمل العلاقات الثنائية.
وبحث الجانبان كذلك سُبل تطوير التعاون المشترك في المجالات “السياسية والاقتصادية والأمنية”، إلى جانب تعزيز التنسيق داخل المؤسسات والمنظمات الدولية، في محاولة للفصل بين الخلاف المرتبط بالمنشورات وبين مسار العلاقات العراقية الإيرانية بصورة عامة.
سحب الخرائط يُخفف احتمالات التصعيد
وفي خطوة بدت مُوجهة إلى “احتواء تداعيات الأزمة”، جرى حذف المنشورات والخرائط المُثيرة للجدل من الحسابات الرسمية للبعثات الإيرانية، عقب تحرك وزارة الخارجية العراقية واستدعائها السفير الإيراني.
وساهم سحب المحتوى في الحد من احتمالات تحول القضية إلى “أزمة دبلوماسية أوسع” بين بغداد وطهران، لكنه لم ينهِ الجدل داخل العراق بشأن طبيعة الخطاب الإيراني المتعلق بالسيادة الوطنية والهوية والتاريخ والجغرافيا.
حساسية متزايدة تجاه الخطاب الإيراني
تعكس الواقعة، في نهاية المطاف، “حساسية متزايدة” داخل العراق تجاه أي خطاب إيراني يتناول أراضي البلاد أو تاريخها أو رموزها الوطنية، خاصة عندما يُصدر عن مؤسسات رسمية تُمثّل الدولة الإيرانية.
كما تكشف عن محاولة بغداد “الموازنة” بين الحفاظ على علاقاتها مع طهران، باعتبارها دولة جارة وشريكا مهما على المستويين السياسي والاقتصادي، وبين التشديد على استقلال القرار العراقي واحترام سيادته وهويته الوطنية، مع إبقاء الخلافات ضمن الأطر الدبلوماسية لتجنب انتقالها إلى مواجهة أوسع.




