تتوسع خريطة “الحروب بلا نهاية” والصراعات المُشتعلة حول العالم من الشرق الأوسط إلى أوروبا وأفريقيا، لتتحول الجبهات المفتوحة إلى أزمات إنسانية متفاقمة تعصف بالاستقرار والتعاون الدولي، وتجعل من فكرة السلام الدائم مسارا “بعيد المنال” رغم تكرار جهود وقف القتال.
وفي سبتمبر 2026، تبدو خريطة الصراعات الدولية والإقليمية “أكثر تعقيدا”، مع استمرار المواجهات بدرجات “متفاوتة” في غزة وإيران واليمن وأوكرانيا والسودان، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية “لم تنجح حتى الآن” في وضع حد نهائي لعدد من هذه الأزمات.
وتتجاوز تداعيات تلك الحروب حدود الدول التي تشهدها، لتطال “حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة والممرات البحرية”، فيما تبقى الأسئلة الأصعب مُعلّقة: متى تتوقف الحروب؟ ومَن يدفع ثمن استمرارها؟ وهل يستطيع العالم الانتقال من إدارة الصراعات إلى صناعة السلام؟
غزة.. الهدنة لا تعني نهاية المعاناة
رغم الحديث عن وقف إطلاق النار والجهود الرامية إلى إعادة الإعمار، لا تزال غزة تشهد “أعمال عنف وسقوط ضحايا”، في وقت تواجه فيه عملية التعافي تحديات “ضخمة” بفعل الدمار الذي خلفته الحرب.
وفي أحدث التطورات، أفادت “رويترز”، باستشهاد 3 فلسطينيين جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة، بينهم “بصير البرش”، نجل مدير عام وزارة الصحة في القطاع منير البرش، بينما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه استهدف عددا من المسلحين.
ولا تتوقف تداعيات الحرب عند الخسائر البشرية، إذ يواجه قطاع التعليم “أزمة كبيرة” بعدما تعرّضت غالبية المدارس لأضرار أو دمار، ما دفع إلى إنشاء فصول “مؤقتة” داخل الخيام والملاجئ لاستيعاب الطلاب.
وهنا تظهر صورة أخرى للحرب “لا تقل قسوة” عن مشاهد القصف؛ طفل يُحاول العودة إلى مدرسته، وأسرة تُحاول استعادة حياتها، ومجتمع يبحث عن طريق لإعادة بناء ما تهدم، بينما لا تزال تداعيات الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
إيران.. حرب تركت آثارها على المنطقة
أصبح الصراع المرتبط بإيران وأمريكا وإسرائيل واحدا من أهم ملفات “الأمن الإقليمي”، ولم تعد تداعياته محصورة في الدول المشاركة مباشرة في المواجهات، بل امتدت إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية وحركة التجارة العالمية.
وفي أحدث التطورات، تتواصل المساعي الدبلوماسية الرامية إلى “التوصل إلى ترتيبات تُنهي الحرب”، بالتزامن مع استمرار التوتر العسكري، فيما تطرح طهران شروطا لاستئناف المفاوضات مع واشنطن.
وتكشف هذه التطورات أن انتهاء العمليات العسكرية، حال حدوثه، لن يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، إذ تبقى ملفات “الأمن والبرنامج النووي والعقوبات والترتيبات الإقليمية” بحاجة إلى تسويات سياسية مُعقّدة.
كما أن تداعيات الحرب تجاوزت حدود إيران وإسرائيل وأمريكا، لتصل إلى “الملاحة الدولية وأسواق النفط”، خصوصا مع استمرار المخاوف المرتبطة بأمن مضيق هرمز وحركة ناقلات الطاقة.
اليمن والبحر الأحمر.. صراع يقترب من قلب المنطقة
أصبحت التطورات في اليمن “أكثر ارتباطا” بالأمن الإقليمي والدولي، خصوصا مع تصاعد هجمات جماعة الحوثيين على المملكة العربية السعودية، وما يُرافق ذلك من مخاوف بشأن أمن الملاحة والطاقة.
وفي 19 سبتمبر، شهدت العاصمة السعودية “الرياض” أول إنذار جوي منذ بدء التصعيد الأخير مع “الحوثيين”، بعدما قالت الجماعة إنها استهدفت مواقع وصفَتها بـ”الحساسة” في العاصمة باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة، بينما أعلنت السعودية اعتراض صاروخ استهدف الرياض، كما شُوهدت ألسنة لهب وسحابة دخان قُرب مطار العاصمة.
ولا تكمن أهمية البحر الأحمر وباب المندب في البُعد “العسكري” فقط، فهما من الممرات الحيوية للتجارة العالمية، وأي اضطراب طويل في هذه المنطقة يُمكن أن ينعكس على حركة السفن وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل وأسعار الطاقة.
ومع اتساع نطاق المواجهات، تزداد المخاوف من انتقال آثار الصراع اليمني إلى الممرات البحرية، بما يُضيف ضغوطا جديدة إلى “نظام التجارة العالمي” الذي يواجه بالفعل تداعيات أزمات متعددة في مناطق أخرى.
أوكرانيا.. حرب مستمرة رغم محاولات التفاوض
أما “الحرب الروسية الأوكرانية”، فما زالت تشهد تبادلا للهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع استمرار الضغوط السياسية والدبلوماسية للتوصل إلى ترتيبات تضع حدا للقتال.
وتبقى “الأزمة الأوكرانية” مثالا واضحا على صعوبة تحويل المفاوضات السياسية إلى “اتفاق دائم”، عندما تتداخل القضايا العسكرية والأمنية والحدود والمصالح الدولية، إذ لا تزال الخلافات الجوهرية تحول دون الوصول إلى تسوية شاملة.
ورغم استمرار الاتصالات والتحركات الدبلوماسية، تظل “العمليات العسكرية” حاضرة على الأرض، لتؤكد أن إنهاء الحرب لا يعتمد فقط على فتح قنوات التفاوض، وإنما يحتاج أيضا إلى توافقات بشأن القضايا التي فجّرت الصراع واستمرت في تغذيته.
السودان.. حرب لا تحظى بما يكفي من الضوء
وفي السودان، تستمر الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية “قسوة” في العالم.
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، من استمرار تدفق الأسلحة إلى أطراف الصراع، داعيا إلى “محاسبة” الدول التي تزود المتحاربين بالسلاح عندما يستخدم ضد المدنيين.
وتُشير تقديرات أممية نقلتها “رويترز” إلى أن أكثر من 14 مليون شخص نزحوا بسبب الحرب، فيما تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تراجع التمويل وازدياد الاحتياجات الغذائية، وسط تحذيرات من تداعيات أشد على المدنيين.
والسودان يُذّكر العالم بأن الحروب لا تُقاس فقط بعدد المعارك أو الأسلحة المُستخدمة، فهناك ملايين البشر الذين فقدوا منازلهم، وأطفال انقطعت دراستهم، وأسر تبحث عن الغذاء والأمان، ومستشفيات وبنية تحتية تُعاني من الانهيار.
خريطة صراعات مفتوحة
بين غزة وإيران واليمن وأوكرانيا والسودان، تتقاطع الأزمات العسكرية مع أزمات اقتصادية وإنسانية وأمنية تتجاوز حدود الدول التي تشهدها.
وتُشير التطورات المتزامنة في هذه الملفات إلى أن العالم لا يواجه حربا واحدة يُمكن احتواؤها بمعزل عن غيرها، وإنما “شبكة من الصراعات” التي تتداخل فيها المصالح الدولية والممرات التجارية وأسواق الطاقة والحسابات الأمنية.
وبينما تستمر محاولات الوساطة والمفاوضات، يبقى “المدنيون” في مُقدمة مَن يدفعون ثمن هذه الصراعات، في وقت تبدو فيه مُهمة الانتقال من وقف إطلاق النار المؤقت إلى تسويات سياسية مُستدامة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.




