spot_img

ذات صلة

اخبار اخرى

هل تكفي ذخائر ترامب لضرب إيران بعد الانتخابات النصفية؟


في الحروب الطويلة، تُقاس القدرة على الاستمرار بما تبقى في المخازن قبل ما يُقال على المنصات. وسبعة أشهر من القتال ضد إيران، تجعل السؤال الأمريكي أضيق مما يبدو؛ إذ لم تعد المسألة حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على مواصلة الحرب لأسابيع إضافية، وإنما كيف سيكون ثمن هذا التوسع وحدوده المحتملة قبل انتخابات نوفمبر النصفية وما بعدها.

في مقابلة نُشرت أمس الخميس، جمع الرئيس دونالد ترامب بين إقرار وتعهد يصعب التوفيق بينهما. أقرّ بأن إمدادات بعض الذخائر صارت “أدنى قليلًا” بسبب الحرب، فيما تعهد بإعادة ملئها إلى “مستويات لم نشهدها من قبل”، ثم قال – في المقابلة نفسها – إن تكثيف القصف على إيران بعد الانتخابات النصفية أمر “ممكن”، رغم إعلانه السابق تحقيق النصر.

إقرار ترامب ووعده في الميزان

بين هذا الإقرار وذلك الوعد تقف ثلاثة مؤشرات صلبة: تقرير رقابي صدر في يوليو أشار إلى نقص حرج، وتقدير بحثي صدر في الشهر نفسه تحدث عن استنزاف بالصواريخ الاعتراضية، واستطلاع نُشر أمس يضع ترامب عند أدنى مستوياته.

أما سؤال القدرة في ذاته فله إجابة جاهزة لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، وهو مركز أبحاث يعتمد تمويلًا مختلطًا تدخل فيه شركات سلاح، حين يقول إن لدى أمريكا من الصواريخ ما يكفي لمواصلة هذه الحرب “تحت أي سيناريو معقول”.

ولهذا السبب يتحرك السؤال الأمريكي خطوة إلى الأمام، من القدرة إلى الفاتورة. ذلك أن مخزونًا يتآكل ولا يُعاد ملؤه بسرعة، وناخبًا يحمّل الرئيس مسؤولية غلاء الأسعار، قد لا يتحملان معًا إدارة تروّج للحرب بإعلان تلفزيوني يُدفع ثمنه من أموال دافعي الضرائب.

ذخائر ترامب.. الاستنزاف إلى نصف المخزون

رواية ترامب عن المخزون واضحة في العنوان، لكنها غامضة في التفاصيل؛ فهو يقول إن بلاده في “حالة ممتازة” و”تخزن بكثافة”، دون أن يسمي الذخائر التي يقصدها، مكتفيًا بالإشارة إلى أن شركات السلاح الأمريكية تبني مصانع لباتريوت وثاد في أنحاء البلاد.

غير أن الجهاز الرقابي داخل وزارة الدفاع يقول كلامًا مختلفًا. وقد وجد تقرير المفتش العام للبنتاجون، الصادر منتصف يوليو، أن الحرب تسببت في نقص ذخائر حرجة، وفي اختناق بإعادة الإمداد، يُقصد به تأخر في وصول البدائل، قبل أي حديث عن نفاد كامل. وهو ما رد ترامب عليه بقوله إن إمدادات الذخائر الأمريكية غير محدودة عمليًا، وإن ما يُنشر خلاف ذلك “أخبار زائفة”.

اقرأ أيضًا: إيران و”النورماندي الاقتصادي”: من يتحمل أكثر.. من ينهار أولًا؟

منظومة باتريوت

لكن التقرير نفسه يضع رقمًا من الصعب تجاهله: أكثر من 22 مليار دولار أُنفقت على الذخائر بين فبراير ويونيو، بما أنتج نقصًا استراتيجيًا في المخزون.

وتفسير الرقم بسيط؛ فمنذ بدء النزاع في أواخر فبراير، استهلكت القوات الأمريكية سلاحين في آن واحد: أنظمة الهجوم بعيد المدى التي تضرب داخل إيران، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي التي تعترض الهجمات الإيرانية. الأول يُستهلك بالهجوم، والثاني بالدفاع، والمخزون يدفع الثمن مرتين.

وإذا كان التقرير الرقابي يصف الحالة بالكلمات، فمراكز الأبحاث تصفها بالنسب.

في تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الصادر في 21 أبريل بتوقيع مارك كانسيان وكريس بارك، يتضح أن أمريكا ربما استهلكت خلال 39 يومًا من الحملة الجوية أكثر من نصف مخزونها السابق للحرب في أربع ذخائر من أصل سبع، ومنها اعتراضيات باتريوت وثاد التي قدّر المركز في يوليو أنها استُنزفت بشدة. وإعادة البناء إلى المستوى القديم تحتاج من سنة إلى أربع سنوات، مع تسليم الصواريخ الموجودة على خطوط الإنتاج.

وتذهب مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الإلكترونية التابعة لمعهد كوينسي في واشنطن، أن القوات الأمريكية استهلكت ما بين 1060 و1430 صاروخ باتريوت من مخزون سابق للحرب قُدّر بنحو 2330 صاروخًا، أي ما لا يقل عن 45%. كما أطلقت ما بين 190 و290 اعتراضًا من منظومة ثاد من أصل مخزون قُدّر بنحو 360 صاروخًا، بما يتراوح بين نحو 53% وأكثر من 80%.

وتكشف هذه الحسابات أن مخزوني باتريوت وثاد فقدا، عند الحد الأدنى للتقديرات، ما يقارب نصف اعتراضاتهما، فيما يخص التقدير الذي يتجاوز أربعة أخماس المخزون منظومة ثاد وحدها؛ إذ يعادل استهلاك 290 صاروخًا من أصل 360 نحو 80.6%.

أما استهلاك باتريوت فيتراوح، وفق أرقام التقرير، بين نحو 45% و61%، مقابل نطاق يراوح بين نحو 53% و81% لثاد، ولذلك لا يصح تعميم نسبة أربعة الأخماس على منظومة الدفاع الأمريكية بأكملها، وفق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

وقد انتقلت أزمة المخزون إلى ساحة التمويل؛ إذ ذكرت “ريسبونسبل ستيتكرافت”، استنادًا إلى بيانات مشروع موازنة الدفاع وتقارير صحفية أمريكية، أن الجيش طلب في موازنة السنة المالية 2027 أكثر من 20 مليار دولار لشراء اعتراضات بديلة من باتريوت وثاد.

وفي الوقت نفسه، كان البيت الأبيض يدرس مشروع تمويل إضافي للحرب تتراوح قيمته بين 80 و100 مليار دولار، وهو تقدير لمشروع تمويل محتمل، وليس اعتمادًا نهائيًا أقره الكونجرس.

ترامب في الكونجرس

غير أن المال وحده لا يعالج سريعًا اختناقات التصنيع؛ إذ يقدّر تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية دورة تسليم اعتراضات ثاد بنحو 53 شهرًا، مقابل نحو 42 شهرًا لباتريوت، من إتاحة الاعتمادات حتى اكتمال إنتاج الدفعة.

ووفق “ريسبونسبل ستيتكرافت”، أجرت إدارة ترامب مشاورات مع مقاولي السلاح لمضاعفة إنتاج الذخائر أو زيادته أربع مرات، فيما أفادت “رويترز”، بأن مسؤولين في وزارة الدفاع أجروا محادثات أولية مع جنرال موتورز وفورد، إلى جانب “جي إي إيروسبيس” و”أوشكوش”، للاستفادة من قدراتها الصناعية في دعم إنتاج الأسلحة والمعدات. وتظل هذه محادثات استكشافية، ولا تعني أن الشركات بدأت بالفعل تصنيع صواريخ كاملة.

ماذا بقي لدى إيران؟

سؤال الكفاية لا يكتمل دون النظر إلى الطرف المقابل. وهنا تقول تقديرات استخباراتية أمريكية سرية نقلتها “نيويورك تايمز” في 12 مايو إن إيران احتفظت بنحو 70% من مخزونها الصاروخي السابق للحرب ومن قاذفاتها المتحركة، واستعادت الوصول إلى قرابة 90% من منشآت التخزين والإطلاق الجوفية، وإلى 30 موقعًا صاروخيًا من أصل 33 على امتداد مضيق هرمز.

وفي الشهر نفسه، نقلت “سي إن إن” عن مصادر مطلعة على التقييمات ذاتها أن نحو ثلثي القاذفات الإيرانية ظل قائمًا، وأن طهران تحتفظ بآلاف المسيّرات تعادل نحو نصف قدرتها السابقة، مع بقاء نسبة كبيرة من صواريخ الدفاع الساحلي المجنحة.

والرواية الرسمية تقول غير ذلك؛ فقائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر شهد أمام الكونجرس بأن العملية دمرت 90% من القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية، وهي شهادة يقول مصدران لـ”سي إن إن” إنها لا تتسق مع التقييمات الاستخباراتية.

وقدّر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو مركز أبحاث في واشنطن متخصص في شؤون الشرق الأوسط، في 15 سبتمبر أن ما تبقى لدى إيران يتجاوز ألف صاروخ وعدة آلاف من المسيّرات، مع عودة بعض خطوط إنتاج المسيّرات إلى العمل، واحتياج استعادة الإنتاج الصاروخي الكامل إلى سنوات.

وتبقى هذه كلها تقديرات دون إحصاء علني حاسم. وامتلاك الصاروخ شيء، وجاهزيته للإطلاق شيء آخر، خصوصًا إذا كان مدفونًا أو معزولًا عن شبكات القيادة والإمداد.

انتخابات أمريكية

لماذا يُحمّل الناخب الرئيس فاتورة الأسعار؟

ولأن الفاتورة تُسدد من جيب الناخب، فإن قرار التصعيد يمر على السوبرماركت قبل أن يمر على البنتاجون. وهنا يأتي دور استطلاع أسوشيتد برس ومركز NORC بجامعة شيكاغو، الذي أُجري بين 24 و28 سبتمبر على 2140 بالغًا بهامش خطأ 2.9 نقطة.

النتيجة الأولى تخص الأسعار: 65% من الأمريكيين يقولون إن الغلاء نتيجة سياسات ترامب، فيما يرى 67% من الجمهوريين أن الأسعار ترتفع بعوامل خارجة عن سيطرة الرئيس. بمعنى آخر، الانقسام نفسه الذي يحكم السياسة يحكم تفسير فاتورة المشتريات.

والنتيجة الثانية تخص الثقة؛ إذ يوافق 17% فقط على إدارته لتكلفة المعيشة، و26% على إدارته للاقتصاد عمومًا، وهو أدنى مستوى جديد. والنتيجة الثالثة تخص الحرب ذاتها؛ حيث 71% يرفضون إدارته لملف إيران، و69% يقولون إن هذه الحرب لا تستحق القتال.

ورد ترامب بوصف هذه الاستطلاعات بأنها “أرقام زائفة”، في تكرار للطريقة التي قابل بها تقارير نقص الذخائر. والأهم أن الرئيس الذي يلوّح اليوم بتوسيع الحرب قال لصحفيين في مطلع سبتمبر إنها ستنتهي “فورًا بعد الانتخابات” لعجز إيران عن الصمود.

اقرأ أيضًا: يحرق “أمريكا أولًا”.. كيف أصابت “لعنة إيران” ترامب في الداخل؟

كيف تُباع الحرب على الشاشات؟

أمام أرقام كهذه، تتحول الشاشة إلى جبهة موازية؛ فمع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، عُرضت أحدث حلقة في سلسلة الإعلانات التلفزيونية المؤيدة لترامب والممولة من أموال دافعي الضرائب، ومدة الإعلان الجديد دقيقة واحدة يحتفي فيها بقرار الرئيس خوض الحرب مع إيران.

بُث الإعلان ليل الأربعاء خلال فاصل على قناة فوكس نيوز، وهو يبدأ بصوت إعلان 28 فبراير عن بدء العمليات القتالية الكبرى ضد إيران، ثم تأتي كلمات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث: “إذا قتلتم أمريكيين، وإذا هددتم أمريكيين في أي مكان على الأرض، فسنطاردكم دون اعتذار ودون تردد وسنقتلكم”.

ويلاحظ الصحفي روبرت ماكي في الجارديان تفصيلة تشرح الرسالة كلها: “كل الخطب وصور الاحتفال في الإعلان تعود إلى الأيام الثلاثة الأولى للحرب، حين بدا انهيار الحكومة الإيرانية ممكنًا. ومن هنا يأتي سؤاله عن سبب بث هذا المشهد والحرب تدخل شهرها السابع وتنفّر كثيرًا من مؤيدي ترامب نفسه”.

وبينما تُدار المعركة على الشاشة بلغة الحسم، يسير الملف التفاوضي في اتجاه آخر؛ فقد قال ترامب إنه رفض المقترح الإيراني لإعادة فتح مضيق هرمز مؤقتًا لأنه “ليس جيدًا بما يكفي”، ومواقع الإطلاق الثلاثون التي استعادت عملها على المضيق تفسر تمسك طهران بهذه الورقة.

وقد أفادت رويترز بأن عراقجي تلقى عبر وسطاء قطريين في الدوحة الرد الأمريكي على المقترح، فيما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري استمرار الاتصالات بين الطرفين، وأن الدوحة تعمل على نقل الرسائل ومناقشة المقترحات مع الجانبين.

سيناريوهات ما بعد الانتخابات النصفية

على هذه الأرضية تتشكل ثلاثة مسارات للأسابيع المقبلة؛ المسار الأول تصعيد محدود بعد الانتخابات النصفية، يُبقي الاستهلاك داخل حدود ما تتحمله المخزونات الحالية ويؤجل أزمة إعادة البناء، ومؤشره تصريحات علنية عن عمليات جديدة.

والمسار الثاني تسوية سريعة عبر الوسطاء، تفتح المضيق مقابل تخفيف الضغط وتوقف نزيف الاعتراضيات، ومؤشره إعلان الدوحة عن تبادل جديد للردود، بينما المسار الثالث جمود ممتد مع ضربات متقطعة تستنزف ما تبقى دون حسم، ومؤشره تقارير جديدة عن تأثر إمدادات الحلفاء بالنقص.

وأيًا كان المسار، فثلاثة أرقام ستكشف الاتجاه قبل غيرها: نتيجة انتخابات نوفمبر وما تعلنه الإدارة بعدها عن الضربات، والموجة التالية من استطلاع AP-NORC عن تكلفة المعيشة، وحجم طلب التمويل الإضافي للحرب وحصة ثاد وباتريوت منه.

وإلى أن تظهر هذه الأرقام، يبقى في المشهد ثابت واحد: إعادة ملء المخازن تبدأ من 20 مليار دولار لمنظومتين فقط، وتحتاج من سنة إلى أربع سنوات. أي أن “المستويات التي لم نشهدها من قبل” تقع بعد الانتخابات بسنوات لا بأسابيع، كما أعلن ترامب.





Source link

spot_imgspot_img