تتسارع المؤشرات الميدانية والسياسية في المنطقة على اقتراب مواجهة كبرى مؤجلة؛ فبين مقاتلات إسرائيلية تجري مناورات ليلية عبر أجواء المنطقة، وغرف عمليات في طهران تعلن الجاهزية لحرب غير مقيدة، وحسابات انتخابية في واشنطن تفرض كوابح مؤقتة على قرار التصعيد، يقف الشرق الأوسط أمام السؤال المصيري حول حتمية اندلاع الحرب الشاملة وتوقيتها المحتمل.
وتكشف الوقائع المتقاطعة أن الهدوء الراهن لا يعدو كونه تجميدا تكتيكيا تفرضه مواعيد صناديق الاقتراع، بينما تكتمل على الأرض كافة الاستعدادات العسكرية لصدام واسع النطاق يهدد باشتعال الجبهات فور انقضاء المهلة السياسية.
الاستنفار الإسرائيلي وبنك الأهداف
في إسرائيل، تقول ترصد أجهزة الأمن إنها رصدت مساعٍ إيرانية لترميم بنيتها العسكرية بعد الأضرار التي لحقت بها خلال عملية “زئير الأسد”.
وبحسب صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، تعتبر التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية التي نوقشت في تل أبيب أن سرعة تعافي ترسانة الصواريخ والمسيرات الإيرانية تشكل ضغطا يدفع نحو توجيه ضربة وقائية قبل اكتمال جاهزية الخصم.
وكشفت صحيفة “فايننشال تايمز”، أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدر أوامر للجيش بالتحضير لحملة قصف جوي تمتد لعدة أيام وتستهدف محطات الكهرباء والمواقع النووية ومقار القيادة في طهران، وكان مقررا تنفيذها في 10 أكتوبر الجاري، غير أن الخطة اصطدمت بمعارضة البيت الأبيض لتفادي تفجير الموقف قبل انتخابات التجديد النصفي.
تزامن ذلك مع مناورات ليلية نفذتها مقاتلات إسرائيلية باتجاه إيران عبر الأجواء السورية والعراقية، وفق ما نقلته شبكة “فوكس نيوز”، فيما شهدت قاعدة “عوفدا” الجوية في النقب اجتماعا سريا جمع نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس ورئيس مجلس الأمن القومي شموئيل بن عزرا بوزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث يوم الاثنين الماضي؛ لعرض بنك أهداف محدث شمل منشآت حيوية لم تستهدف في جولات المواجهة السابقة في إيران.
الردع الإيراني والتحذيرات الإقليمية
في المقابل، تكتمل الصورة من العاصمة طهران، حيث أعلن مسؤول أمني رفيع لقناة “برس تي في” الرسمية اتخاذ قرار حاسم بالرد دون أي قيود على أي استهداف أو اغتيال، مؤكدا استعداد القوات المسلحة لحرب شاملة متعددة الطبقات تطال مصالح الخصوم وحلفائهم في المنطقة.
ووصف المسؤول، فكرة تحرك واشنطن أو تل أبيب بشكل مستقل بأنها “نكتة مرة” في ظل تشابك المنظومتين العسكريتين، معتبرا أن التهديدات وفرت المبرر الأخلاقي والقانوني لطهران لبناء منظومة ردع دفاعية واسعة عقب حربي يونيو 2025 وفبراير الماضي.
وامتدت الرسائل الإيرانية إلى دول الجوار، حيث حذّرت طهران من أن الأمن الإقليمي لا يتجزأ، وأن وضع القواعد والأجواء والتسهيلات التكنولوجية في خدمة أي هجوم سيجعل تلك الدول في صلب الاستهداف المباشر، وفقا لوكالة “مهر”.
وصرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن الخيار هو: “إما أن نبني الأمن معا، أو نتحمل الانعدام الأمني معا”، إلى جانب مطالبة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف دول الجوار برفض التعاون في البيانات والذكاء الاصطناعي المساند للعمليات العسكرية.
الحسابات الانتخابية في أمريكا
في واشنطن، تتصدر الحسابات السياسية الداخلية المشهد، حيث يرفض الرئيس دونالد ترامب الدخول في نزاع مسلح جديد يرفع أسعار الوقود العالمية ويضر بموقف حزبه قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر المقبل، رغم تصريحاته ونتنياهو بأن البلدين “سيكملان المهمة قريبا”.
وأكدت نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض آنا كيلي، نجاح الإجراءات الأمريكية في تشديد الحصار على الموانئ الإيرانية وتأمين تدفق نفط الخليج عبر مضيق هرمز، مشددة على استبعاد أي ضربة عسكرية قبل موعد الانتخابات.
ورغم ذلك، نقلت “فايننشال تايمز” عن مصادر مطلعة أن الشعار الحاكم لتحركات واشنطن هو “إما اتفاق أو هجوم” لإجبار طهران على تقديم تنازلات.
ويتقاطع هذا الكابح الزمني مع مسار سياسي مواز يربطه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي ورئيس البرلمان قاليباف بالتزام واشنطن بشروط طهران السبعة وتطبيق مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في يونيو، والتي تلزم أمريكا بإنهاء الحرب ورفع العقوبات مقابل إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا بعد سيطرة إيران عليه في مارس الماضي.
موازين القوى ومسار ما بعد نوفمبر
وفي المشهد الأخير تتجلى إجابة حاسمة عن التساؤل المعلق؛ فالحرب الشاملة لا تزال مجمدة بحبال الاستحقاقات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب، حيث يفضل نتنياهو تفادي الطوارئ قبل انتخابات 27 أكتوبر لضمان إجرائها، مع احتفاظه بصلاحيات قيادة الحرب في مرحلة تصريف الأعمال.
وتكشف المعطيات، أن فترة ما بعد 3 نوفمبر ستشكل النافذة الأكثر خطورة لانفجار المواجهة الكبرى؛ إذ تمتلك إسرائيل بنك أهداف جاهز للتنفيذ، وتتمسك إيران بمعادلة ردع إقليمية ترفض الاستسلام للضغوط، في حين لن تكون واشنطن مقيدة بالاعتبارات الانتخابية الداخلية.
لذا، فإن التوصيف الأقرب للواقع هو أن المنطقة لا تتجه نحو سلام دائم، بل تعيش مرحلة شراء وقت تكتيكية، تجعل من استئناف الحرب الشاملة سيناريو عالي الترجيح ما لم تفضِ التهديدات المتبادلة إلى اختراق تفاوضي مفاجئ ينزع فتيل الأزمة.


