كتب : محمد طه
06:15 ص
28/08/2026
تعديل في 06:47 ص
منذ أطلقت القوات الأمريكية – الإسرائيلية حملتها العسكرية الكبرى على إيران في 28 فبراير الماضي، وقتلت مرشدها الأعلى علي خامنئي في مجمعه بطهران، بدت واشنطن واثقة من أن الصدمة الأولى ستكسر إرادة النظام. لكن بعد 181 يومًا، لم يأتِ الحسم السريع الذي راهنت عليه؛ وبدلًا من ذلك، تحوّل مضيق هرمز إلى ساحة اختبار لرهانين متقابلين: من يتحمل أكثر.. ومن ينهار أولًا؟
هرمز شبه الميت.. إلى أين وصل؟
تختصر الأرقام حجم الانهيار الحاد في هذا الممر الحيوي لشحنات الطاقة؛ إذ تراجعت حركة المرور بنسبة 90% تقريبًا قياسًا بمستويات ما قبل الصراع، حتى وصلت إلى قرابة 3 سفن فقط منتصف أغسطس الجاري، وفقًا لتقرير هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية.
وحتى مع تحسن الوضع قليلًا بتوقف الضربات المبتادلة بين الجانبين، وصل العبور مع حلول الإثنين الماضي إلى أقل من 20 سفينة تجارية، بينما وثقت بيانات منصة “كبلر” لتتبع الشحن مرور 4 سفن فقط يوم الأحد، و13 سفينة يوم السبت، مقارنة بـ 16 سفينة عبرت المضيق خلال يوم الجمعة.
الرقم في ظاهره كارثة، وفي تفاصيله دليل على عمق الأزمة؛ ذلك أن القلة العابرة تتحرك بحراسة عسكرية مشددة أو بأجهزة تتبع مغلقة عمدًا في عمليات نقل متعددة المراحل من الخليج إلى خليج عمان، فلا تسلك المضيق في الظروف العادية، ما يعني أن الرقم المعلن أقل كثيرًا من الحركة الفعلية.
والأهم أن الفاتورة لا تدفعها العاصمتان، لأنه عندما يتعطل خُمس نفط العالم عن موعده، ترتفع أسعار المحروقات وكُلفة كل سلعة تُشحن عبر هذا الشريان على شعوب لا ناقة لها في الحرب ولا جمل.
وإذا كان تعطيل المضيق هو الذراع العسكرية للضغط، فقد جاءت الذراع الاقتصادية في 24 أغسطس.

النورماندي الاقتصادي.. خناق لم يُنفذ بعد
في ذلك اليوم، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ما سُمي “يوم النصر الاقتصادي”، موجة عقوبات وصفتها إدارته نفسها بإنزال نورماندي في الحرب العالمية الثانية.
غير أن التهديد سبق التنفيذ بفارق لافت؛ فالخزانة التي لوّحت بعقوبات تطال كل من يواصل التعامل المالي مع طهران، لم تفرض عقوبات جديدة فعليًا يوم الإعلان، وأرجأت المواجهة الحقيقية إلى قمة وزراء مالية مجموعة العشرين التي يستضيفها بيسنت الاثنين والثلاثاء المقبلين للضغط على شركاء طهران التجاريين.
وفيما تؤجل واشنطن التنفيذ، تتحرك الدبلوماسية في الاتجاه المعاكس؛ ففي اليوم الثاني والسبعين لتوقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، زار رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني طهران وبحث مع وزير الخارجية عباس عراقجي خفض التصعيد، وبالتوازي أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تمسك بلاده بالمذكرة رغم فقدانه الثقة بأمريكا.
اقرأ أيضًا:
مرشد إيران.. الحاضر بالروح لا الجسد (تحليل 161 يومًا)
هل يُمكن قراءة ترامب على “مقياس هتلر”؟
كيف تنزف واشنطن؟
خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في أبريل الماضي إلى أن طهران تستطيع “فرض تكاليف باهظة على أسواق الطاقة العالمية” بتعطيل محدود للملاحة دون إغلاق كامل للمضيق، محذرًا من أن عجز واشنطن عن مواجهة هذا التهديد “غير التقليدي” سيحوّل معاناة الطاقة الحالية إلى حالة دائمة في هندسة الاقتصاد العالمي.
الأمر نفسه أشار إليه السيناتور مارك كيلي، عضو لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، حين قال إن الحرب استنزفت مخزونات صواريخ “باتريوت” وأضعفت قدرة بلاده على دعم أوكرانيا، واصفًا إياها بأنها “هبة للروس”، وهو من الذين يقولون إن ترامب دخل هذه الحرب “دون هدف إستراتيجي أو خطة أو جدول زمني”، وأن استهلاك المخازن من توماهوك وباتريوت وثاد كان “صادمًا”: حين تُنفق الذخيرة في الشرق الأوسط يتبقى لكييف أقل، “إنها مسألة حساب، ليست صعبة”.
وإذا كانت الذخيرة تُستنزف في المخازن، فإن السفن تُستنزف في البحر؛ فالبحرية تبدّل حاملاتها للمرة الثالثة على التوالي، إذ تستعد حاملة “ثيودور روزفلت” وطاقمها من خمسة آلاف بحار للإبحار من سان دييغو في مهمة تتجاوز سبعة أشهر لتحل محل “جورج واشنطن” التي حلّت بدورها محل “أبراهام لينكولن”، التي أمضت أكثر من 250 يومًا في الانتشار دون توقف في ميناء وسط تقارير عن أزمة نفسية لطواقمها قبل أن تتجه إلى تايلند للراحة.

كيف تتكيف إيران؟
في الطرف المقابل من الطاولة، لا تبدو طهران في وضع من ينتظر الانهيار؛ فهي تعدّ العدة لسنوات من الحصار؛ فصحيفة “فايننشال تايمز” وثّقت تفعيل طهران لما تسميه “اقتصاد المقاومة”، النموذج الذي نضج على أربعة عقود من العقوبات: تصنيع محلي للأدوية وقطع الغيار والأجهزة، ومقايضة النفط بالغذاء والتقنية بعيدًا عن القنوات المصرفية الخاضعة للعقوبات.
ويلخص الخبير إسفنديار باتمانجيليدج، مدير مؤسسة “بورس آند بازار” البحثية، فلسفة هذا النموذج بقوله إن الأزمة الاقتصادية “لن تكون العامل الذي يُسقط الدولة الإيرانية”، موضحًا لـ”نيويورك تايمز” أن هدف طهران زمن الحرب ليس تعظيم الصادرات، بل إبقاء “عجلة الاقتصاد تدور بصعوبة”.
وهذا التكيف يتجاوز الصمود المؤقت إلى تحول في طبيعة الاقتصاد نفسه.
يصوغ فالي نصر، أبرز المتخصصين الأمريكيين في الشأن الإيراني بمدرسة جونز هوبكينز، هذا التحول بدقة؛ فيقول إن طهران تنتقل “من اقتصاد مرن يمتص الصدمات إلى اقتصاد بقاء يستمر في العمل ويفقد تدريجيًا قدرته على التعافي”. وهو ما يتقاطع في قرائته مع مجلة “فورين آفيرز”، التي تقول في مقال بعنوان “الضغط الأقصى على إيران سيفشل” إن طهران راهنت على صمود أطول من الولايات المتحدة، “وهذا الرهان أثبت إلى الآن أنه حكيم”.
والتاريخ يمدّ هذا الرهان بجذر عميق؛ فقد صمدت إيران ثماني سنوات في حربها مع العراق بين 1980 و1988 رغم استنزاف بشري واقتصادي هائل. إلا أن الفارق الجوهري اليوم أن بيدها ورقة هرمز، وهي تحول استنزافها الداخلي إلى أزمة طاقة عالمية تطال اقتصادات العالم في آن واحد، ولم يعد ثمن المواجهة محصورًا في نظامين متحاربين.

من يدفع ثمن تصل عمره 181 يومًا؟
مع تصلب الجبهتين اقتصاديًا وعسكريًا لـ 181 يومًا إلى الآن، أُغلق الباب الدبلوماسي علنًا من الجانبين؛ ففي طهران، هدد أمين مجلس الأمن القومي محسن رضائي بأنه “إذا استمرت الحرب الاقتصادية، فلن تُصدَّر قطرة نفط واحدة” عبر هرمز أو الخليج، وجعل إنهاء الحرب شرطًا لإعادة فتح المضيق، متوعدًا برد “تماثل الزلزال”.
وفي واشنطن، رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باللهجة نفسها في المكتب البيضاوي: “لا نريد التحدث إليهم. ولا نسعى إلى لقاء أو أي شيء من هذا القبيل”، واصفًا إيران في منشور بأنها “دولة فاشلة”، بينما أعلنت المتحدثة كارولاين ليفيت أن عملية “المنبوذ الاقتصادي” تستهدف “تدمير اقتصادهم”. وحين سُئل ترامب عن معاقبة البنوك الصينية، رد: “من قال إنني لن أفعل؟… لست ملزمًا بالإعلان عن كل شيء”.
وهكذا تكتمل معادلة “النورماندي الاقتصادي”: واشنطن تراهن على أن الخناق يدفع طهران عاجلًا إلى طاولة التفاوض بشروطها، وطهران تراهن على أن الوقت وكُلفة الطاقة العالمية يجبران واشنطن على التراجع. وبين الرهانين يبقى هرمز الشاهد الصامت على حقيقة واحدة: أن الاستنزاف أطول أمدًا من الخرائط، وأن ثمنه لا تدفعه العاصمتان وحدهما، بل العالم كله.




