تواجه الهيمنة الغربية اختبارًا تاريخيًا مع انتقال مركز الثقل الاقتصادي والجيوسياسي نحو آسيا، في تحول يفرض على الولايات المتحدة وأوروبا مراجعة موقعهما في النظام الدولي، إذ يرى الاقتصادي والمحلل الجيوسياسي الأمريكي جيفري ساكس أن العالم تغير بصورة جذرية خلال ربع القرن الماضي، وأن صعود الصين وعودة آسيا إلى مركز التأثير العالمي يمثلان أبرز ملامح هذا التحول، الذي ينبغي التعامل معه باعتباره تطورًا إيجابيًا، لا تهديدًا يستدعي المواجهة.
وفي كلمته أمام البرلمان الأوروبي، المنشورة كاملة عبر موقع “Other News” تحت عنوان “كيف نصنع السلام في عالم مجنون”، ربط ساكس بين التحولات العالمية وتصاعد الأزمات السياسية والخطاب الداعي إلى الحرب في أوروبا، معتبرًا أن استمرار النهج الحالي يفتح الباب أمام مخاطر واسعة.
كما تحدث في مقال آخر نُشر في 17 أكتوبر 2026 بعنوان “جيفري ساكس: أوروبا كجبهة أمامية في عالم متعدد الأقطاب؟”، عن رؤيته لمستقبل القارة في ظل تراجع قدرتها على الاعتماد على التحالف عبر الأطلسي وحده.
عالم متعدد الأقطاب بدلًا من الانقسام إلى معسكرين
يحدد ساكس أربع قوى عظمى في النظام الدولي الحالي، هي الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند، مع اعتبار أوروبا قوة اقتصادية تتمتع بمستوى مرتفع من جودة الحياة، لكنها تفتقر إلى سياسة جيوسياسية موحدة، ويرى أن القارة تحتاج إلى توجه يعبر عن مصالحها الفعلية، ويعطي الأولوية للسلام بدلًا من الاستعداد لمواجهة محتملة مع روسيا.
ويرفض الاقتصادي الأمريكي تقسيم العالم إلى تكتلات متنافسة أو معسكرين متقابلين، محذرًا من أن هذا المسار قد يقود إلى نتائج كارثية، ويدعو بدلًا من ذلك إلى بناء العلاقات الدولية على القانون وميثاق الأمم المتحدة والتنسيق بين القوى الكبرى، مستحضرًا نموذج “تناغم أوروبا” الذي نشأ بعد هزيمة نابليون عام 1815، عندما تعاونت قوى أوروبية على التشاور لتجنب حرب شاملة، رغم استمرار التوترات والنزاعات.
كما يستحضر فكرة الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت عام 1945 بشأن وجود قوى كبرى تتولى مسؤوليات مشتركة داخل النظام الدولي، قبل أن يؤدي تدخل شارل ديجول إلى إدراج فرنسا ضمن القوى الخمس المعنية بالفكرة.
أوروبا بين التبعية الاستراتيجية وتراجع النفوذ
في رؤيته لمستقبل أوروبا، يعتبر ساكس أن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة لم يعد كافيًا لمواجهة التحولات العالمية، فالقارة، وفقًا لجيفري تفتقر إلى عقيدة أمنية مستقلة واستراتيجية جيوسياسية متماسكة، فيما فشلت دول الاتحاد الأوروبي، البالغ عددها 27 دولة، في تحقيق وحدة فعالة في السياسة الخارجية والعلاقات الاقتصادية والدفاع.
ويشير المقال إلى أن إقامة الحواجز أمام روسيا والصين تعزل أوروبا عن علاقات اقتصادية مهمة، بينما يستمر قادتها في محاولة الحفاظ على نظام جيوسياسي قديم، ويبرز في هذا السياق التزام عام 2008 بتوسيع حلف شمال الأطلسي ليشمل أوكرانيا، باعتباره مثالًا على اتباع التوجه الأمريكي رغم المخاوف الأوروبية، إذ أدركت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خطورة تفسير روسيا لهذا الالتزام على أنه إعلان حرب.
ويشير ساكس إلى أن تراجع الوزن النسبي للغرب سيزداد على المدى الطويل؛ فبعدما مثل الغرب عبر الأطلسي نحو نصف الناتج العالمي عام 1950، قد تنخفض حصته إلى 15% أو أقل بحلول أواخر القرن الحادي والعشرين، ويعزز ذلك، في رأيه، ضرورة إعداد استراتيجية أوروبية تستند إلى التحولات المتوقعة بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع الأزمات الآنية.
الصين وروسيا وأفريقيا في حسابات المستقبل
يربط ساكس التخطيط للمستقبل بقراءة الاتجاهات الاقتصادية والسكانية على المدى الطويل، مستشهدًا بدراسة أُعدت في تسعينيات القرن الماضي وتوقعت ارتفاع حصة آسيا من الاقتصاد العالمي بحلول عام 2025، وهي توقعات أثبتت دقتها رغم الأزمة المالية الآسيوية التي أعقبت نشرها، مشيرًا إلى أن صعود الصين كان قابلًا للتوقع، وأن التحدي يتمثل في استيعاب نتائجه سلميًا.
وفي المقابل، يعكس تعميق روسيا علاقاتها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية والأمنية مع الصين، وفقًا للمقال، تحولًا استراتيجيًا يتجاوز الاستجابة المؤقتة للعقوبات وإغلاق الأسواق وانهيار العلاقات الاقتصادية مع أوروبا، ويستشهد المقال بالعلاقات الألمانية الروسية التي تعززت نحو عام 2010، عندما ربط التعاون بين الصناعة الألمانية والطاقة الروسية والاستثمارات الأوروبية، بما دعم التنمية الصناعية وفتح المجال أمام تعاون محتمل في التقنيات الخضراء.
ويدعو ساكس إلى منح أفريقيا موقعًا محوريًا في الاستراتيجية الأوروبية، مع توقع وصول عدد سكان القارة إلى نحو 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، معتقدًا أن توسيع فرص التعليم الجيد والتنمية الاقتصادية لشبابها يمكن أن يدعم الازدهار والأمن العالميين، بينما قد يؤدي استمرار الحرمان التعليمي إلى عواقب اجتماعية وجيوسياسية خطيرة.
السلام والتعاون بدلًا من المواجهة
لا يدعو ساكس إلى تفكيك التكامل الأوروبي، وإنما إلى تطوير تعاون أكثر فاعلية بين دول القارة، بعيدًا عن التبعية الاستراتيجية والمواجهة، كما يشدد على أهمية تعزيز الاتحادات الإقليمية، مستشهدًا بالاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، باعتبارها أطرًا تساعد الدول على التعامل مع تحديات تتجاوز قدرات كل دولة منفردة.
وتتمثل الخلاصة الأساسية لرؤيته في أن التحول إلى عالم متعدد الأقطاب لا ينبغي أن يقود إلى صراع جديد بين القوى الكبرى، وإنما إلى إعادة تنظيم العلاقات الدولية على أساس القانون والتشاور والتخطيط طويل الأجل، وبالنسبة إلى أوروبا، يتطلب ذلك إعادة تقييم علاقتها بالولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وأفريقيا، وبناء سياسة مستقلة تعكس مصالحها الاقتصادية والأمنية، وتمنح السلام أولوية على منطق التكتلات والمواجهة.


