خطف روبوت صيني يُدعى “تيانجونج ألترا” الأنظار في الأيام الأخيرة، بعدما قطع سباق 100 متر في 9.39 ثانية، متفوقًا على الرقم القياسي العالمي للبشر المسجل باسم أسطورة العدو الجامايكي يوسين بولت، البالغ 9.58 ثانية، في مشهد بدا للوهلة الأولى استعراضًا لقدرات التكنولوجيا، لكنه في الواقع يكشف عن سباق صيني أوسع لتطوير جيل جديد من الآلات القادرة على العمل والتحرك واتخاذ القرارات في بيئات شديدة التعقيد.
لكن السباق الذي منح “تيانجونج ألترا” الأضواء لا يمثل سوى الوجه الأكثر وضوحًا لتطور أوسع في الصين؛ فخلف الروبوت الذي يحاكي الإنسان ويتفوق على سرعته، تتشكل منظومة تكنولوجية وعسكرية تتجه نحو دمج الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة المستقلة في ساحة القتال.
وبينما تتوسع بكين في إنتاج الروبوتات للاستخدامات المدنية، تعمل في الوقت نفسه على تحويل هذه الخبرات إلى أدوات عسكرية قادرة على الاستطلاع ونقل الإمدادات وتنفيذ المهام القتالية، وصولًا إلى ما تصفه مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بـ”الحرب الذكية”.
توفر هذه الطموحات الصينية قاعدة إنتاجية ضخمة؛ إذ أعلن الاتحاد الدولي للروبوتات أن الصين امتلكت 2.027 مليون روبوت صناعي عامل في المصانع بنهاية 2024، بعدما ركبت 295 ألف روبوت جديد خلال العام نفسه، وهو ما مثل 54% من إجمالي التركيبات العالمية، ما منح الشركات الصينية الأفضلية واتفوق لأول مرة على الشركات الأجنبية في حصتها من السوق المحلية، ما يشير إلى أن بكين تعد جيشًا ضخمًا من الروبوتات سواءً للأغراض الصناعية أو العسكرية.
“الحرب الذكية”.. روبوتات الصين سلاحها الأقوى للمستقبل
بحسب مركز الأبحاث الأمريكي “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، فإن “الحرب الذكية” هي مصطلح يستخدمه جيش التحرير الشعبي الصيني للإشارة إلى مرحلة متقدمة من تحديثه العسكري، تتجاوز مرحلتي الميكنة والمعلوماتية؛ أي نشر المنصات والمعدات الحديثة وربط القوات عبر البيانات وأنظمة المعلومات والقيادة والسيطرة المشتركة.
وفي الاستخدام الصيني للمصطلح، تشير “الحرب الذكية” تحديدًا إلى دمج الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة وأنظمة البيانات الضخمة داخل العمليات العسكرية، ووفق مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لا يقتصر هذا التحول على وحدات الخطوط الأمامية، بل يمتد إلى قاعدة الصناعات الدفاعية الصينية، مستفيدًا من استراتيجية دمج القطاعين العسكري والمدني.
وتبرز أهمية هذه القاعدة عندما تنتقل التقنيات التجارية إلى المجال العسكري، ووفق تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، تعتمد الصين على دمج القطاعين العسكري والمدني للاستفادة من شركات الروبوتات التجارية ومطوري الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار وتقنيات “ليدار”، ثم تكييف هذه التقنيات للاستخدام العسكري، وهو ما يختصر المسافة بين التطوير التجاري والتوظيف القتالي.
“الذئاب الآلية”.. آلات تتقدم بدلًا من الجنود
وفي تقرير لصحيفة “تايبيه تايمز” التايوانية، قالت الصحيفة إن الصين تطور روبوتات رباعية الأرجل تسميها “الذئاب الآلية”، باعتبارها جزءًا من توجه نحو “الحرب الذكية”، مشيرًة إلى أن هذه الروبوتات تبلغ حجم الكلاب الكبيرة، لكنها مزودة بكاميرات وأجهزة استشعار وتقنيات “ليدار”، يمكن استخدام بعضها في الخطوط الأمامية لتقليل تعرض البشر للخطر، والتحرك داخل المناطق المتفجرة أو الخطرة، ونقل الإمدادات، والعمل في أسراب منسقة مع نقل المعلومات الاستخباراتية لدعم العمليات اللوجستية.
وأضافت “تايبيه تايمز”، أن بعض هذه الأنظمة يمكنها العمل لمدة تصل إلى ساعتين، وقطع مسافة تصل إلى 10 كيلومترات، والبقاء عاملة في المياه لمدة تصل إلى 30 دقيقة، كما يمكن تجهيز النسخ المسلحة بأسلحة صغيرة أو صواريخ، مع اشتراط موافقة بشرية على استخدام القوة المميتة.
تايوان في قلب حسابات بكين
ولا تخفي التقارير ارتباط هذه التكنولوجيا الصينية بسيناريو تايوان؛ إذ أفادت “تايبيه تايمز” أن استخدام الأنظمة الروبوتية القابلة للتوسع قد يدفع جيش التحرير الشعبي إلى تبني حسابات أكثر جرأة للمخاطر خلال الأزمات، لافتًة إلى أن جاهزية هذه المنصات قد تصبح عاملًا في حسابات بكين المتعلقة بمراحل القتال الأكثر استنزافًا.
تدريب علني للجيش الصيني بمشاركة الروبوتات
وعلى الجانب الآخر، تكشف “جلوبال تايمز”، التابعة لصحيفة “الشعب اليومية” والمرتبطة بالإعلام الرسمي الصيني، عن انتقال هذه الروبوتات إلى التدريبات العسكرية، ونقلت الصحيفة عن قناة CCTV أن وحدات من جيش التحرير الشعبي أجرت تدريبًا جمع الجنود بالطائرات المسيّرة وروبوتات “الذئاب”، وشمل الاستطلاع والضربات الدقيقة وتوفير غطاء للقوات خلال عمليات الاختراق.
ووفق “جلوبال تايمز”، يزن أحد نماذج “الذئب الآلي” نحو 70 كيلوجرامًا، وصُمم للعمل إلى جانب الجنود، مع قدرة على تجاوز العوائق وتسلق السلالم والحركة في تضاريس معقدة، ويمكن لعدة روبوتات العمل في تشكيلات منسقة، وإنشاء شبكة تربط المشغلين البشريين بالمركبات والروبوتات، لتعزيز قدرات القوات في المناطق الحضرية والجبلية.
من الاستطلاع إلى حمل السلاح
وتظهر طبيعة الاستخدام العسكري بصورة أوضح في النماذج المسلحة، فقد أظهر تقرير لـ”EWeek” أن الصين تطور منظومة من الروبوتات العسكرية تشمل كلابًا رباعية الأرجل، بعضها مزود بأسلحة، بما يعكس انتقال هذه المنصات من مهام الاستطلاع والدعم إلى أدوار قتالية أكثر مباشرة.
وفي معرض الدفاع العالمي بالرياض عام 2026، كشفت جهة دفاعية صينية مرتبطة بالدولة عن منصة PF-070، وهي روبوت قتالي رباعي الأرجل يحمل أربعة صواريخ موجهة مضادة للدبابات، ووفق “فوربس”، قُدمت المنصة باعتبارها جاهزة للإنتاج وموجهة للبيع الدولي، مع تصميم منخفض وهادئ نسبيًا وقدرة على الحركة في التضاريس المختلفة.
وذكرت “فوربس” أن PF-070 يجمع بين الصواريخ المضادة للدروع وأنظمة الاستهداف الكهروبصري والتصوير الحراري وقياس المسافة بالليزر، مع مدى اشتباك فعال يصل إلى أربعة كيلومترات، كما يحتفظ النظام بوجود مشغل بشري في حلقة اتخاذ قرار إطلاق السلاح، ما يعني أن المنصة ليست سلاحًا مستقلًا بالكامل.
ولا يقتصر التطور الصيني على الروبوتات ذات الأربع أرجل. فالمادة التي نشرها “EWeek” تشير إلى توجه موازٍ نحو الروبوتات الشبيهة بالبشر، التي تحاكي شكل الجسم الإنساني وتستفيد من أجهزة الرؤية والاستشعار، مع بحث إمكانات استخدامها في أدوار عسكرية، وهنا تتصل صورة “تيانغونغ ألترا” الرياضية مباشرة بمسار التطوير العسكري الأوسع.
هل أصبحت روبوتات الصين قوة قاهرة؟
لكن هذه الروبوتات لا تزال بعيدة عن كونها قوة لا يمكن تعطيلها، فوفق تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الذي نقلت عنه “تايبيه تايمز”، تواجه الأنظمة خطر التشويش والتزييف والاختراق الإلكتروني، كما تحتاج إلى تغيير البطاريات أو إعادة الشحن بصورة دورية، بينما يمكن أن تتأثر أجهزة الاستشعار بالدخان والضباب وأشعة الليزر.
تحذير للولايات المتحدة وتايوان
وفي تقرير آخر، لمجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية، حذرت من أن التقدم الصيني في استخدام الروبوتات العسكرية يمثل إنذارًا للولايات المتحدة وتايوان، ويدفعهما إلى تسريع نشر الروبوتات وتطوير أنظمة دفاع مضادة لها، بما يعزز قدرتهما على الحفاظ على الردع في مواجهة التطور المتسارع للأنظمة القتالية غير المأهولة.
وهكذا، فإن قصة “تيانجونج ألترا” الذي نافس الرقم القياسي البشري في سباق 100 متر تبدو أبعد من مجرد إنجاز تقني لافت؛ فهي تكشف جانبًا من سباق صيني أوسع لامتلاك صناعة روبوتات قادرة على العمل في المصانع والميادين العسكرية معًا. وبينما لا تزال هذه الأنظمة تواجه قيود البطاريات والتشويش والاعتماد على الإنسان، فإن انتقالها من المختبرات إلى التدريبات العسكرية يفتح فصلًا جديدًا في شكل حروب المستقبل.




