عامان على رحيل يحيى السنوار.. ماذا تركت عصاه؟

0
53


في صباح يوم 16 أكتوبر من العام 2024 استُشهد يحيى السنوار عند من يؤمن بالمقاومة، وقُتل عند من حمّله والحركة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، بينما اتفق الجميع على ما وثقته كاميرات مسيّرة الاحتلال من لحظاته الأخير: رحل في اشتباك مباشر فوق الأرض، حاملًا عصا أخيرة لوح بها مقاومًا في وجه آلية عسكرية نسفت آخر بيت حوصر قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت الركام.

ومن مشهد أرادته إسرائيل بيان نصر، كُتبت رواية “العصا هزمت رواية المحتل”، التي تحل ذكرى صاحبها اليوم.

السنوار.. هكذا رحل

رواية جيش الاحتلال والشاباك (جهاز الأمن الداخلي) تقول إن قوة من لواء بيسلماخ (لواء 828) رصدت، صباح يوم استشهاد السنوار في حي تل السلطان جنوبي قطاع غزّة، مجموعة صغيرة من ثلاثة مقاتلين فاشتبكت معهم وتفرقوا، ودخل أحدهم مبنى وحيدًا وقاتل حتى أصيب، ثم قصفت دبابة المبنى وأرسلت مسيّرة للاستطلاع فرصدته جالسًا على الكرسي يرمي العصا قبل أن تقتحم القوة المكان في اليوم التالي لتعثر على جثمان السنوار.

وبحسب البيان ذاته، عثرت القوة معه على سترة عسكرية وبندقية ومبلغ 40 ألف شيكل. وقد أجرت إسرائيل اختبارات الحمض النووي وطابقت سجلات أسنانه وبصمات أصابعه ليتأكد بعدها رحيله.

من مجدل عسقلان إلى مجد

وُلد يحيى إبراهيم حسن السنوار في مخيم خان يونس جنوبي قطاع غزّة في 29 أكتوبر 1962 لأسرة فلسطينية تعود أصولها إلى مدينة مجدل عسقلان التي هُجّرت منها عام 1948. وفيما استقرت الأسرة في خيام اللجوء ثم في أزقة المخيم الضيقة، نشأ الصبي بين حكايات النكبة وطوابير وكالة الغوث ومدارس المخيم التي شكلت وعيه الأول بمعنى التشرد وفكرة العودة.

غير أن المسار التعليمي قاده لاحقًا إلى إكمال الثانوية في مدرسة خان يونس الثانوية للبنين ثم الالتحاق بالجامعة الإسلامية في غزّة والحصول على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية.

وبحسب زملائه، نشط السنوار خلال سنوات الدراسة في العمل الطلابي حتى ترأس مجلس الطلاب. وهو نشاط مبكر كشف عن نزعة قيادية وتنظيمية لازمته في بناء الأجهزة الأمنية وإدارة الحركة في أصعب ظروف الحصار والحرب.

اقرأ أيضًا: بعد 7 أكتوبر.. كيف تغير الشرق الأوسط؟

صورة تعبيرية (AI)

ومن هذا الوعي – حيث النزوح وحُلم العودة – نشأت منظمة الجهاد والدعوة “مجد”، الذي أسسه السنوار في أواخر ثمانينيات القرن الماضي مع خالد الهندي وروحي مشتهى، بتكليف من الشيخ أحمد ياسين.

وقد تحول الجهاز لاحقًا إلى الذراع الأمنية الداخلية لحركة حماس، حيث باتت مهمته ملاحقة المتهمين بالتخابر مع الاحتلال وضبط الأمن الداخلي للحركة، إذ منحت تلك المرحلة المبكرة من الصراع على الشرعية والنفوذ داخل المخيمات، السنوار لقبًا لازمه طويلًا: مهندس الجدار الداخلي للحركة.

صناعة الزعامة والتفاوض

اعتقلت إسرائيل السنوار ثلاث مرات، وفي عام 1988 أصدرت محكمة عسكرية حكمًا عليه بأربعة مؤبدات إضافة إلى 25 عامًا بعد إدانته بقتل فلسطينيين اتهموا بالتعاون مع الاحتلال.

وقد قضى ما مجموعه 22 عامًا متنقلًا بين السجون، حيث تعلم العبرية بطلاقة، وقاد تنظيم الأسرى من الداخل، وخاض إضرابات الجوع ومفاوضات تحسين شروط الاعتقال.

وخلف القضبان كتب روايته الشهيرة “الشوك والقرنفل” (2004) داخل الزنزانة، وهي تروي حياة عائلة فلسطينية في مخيم الشاطئ بغزة على مدار 35 عامًا، صارت لاحقًا جزءًا من صورته كمثقف يتحدث بالمقاومة.

خرج السنوار بعدها في أكتوبر 2011 ضمن صفقة تبادل الأسرى المعروفة بـ “وفاء الأحرار”، وشملت إطلاق سراح 1027 أسيرًا فلسطينيًا مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

إلا أن عودته إلى غزّة وهو في 49 من عمره حملت مشروعًا سياسيًا وعسكريًا متكاملًا، وشرعية مزدوجة: شرعية السجن الطويل وشرعية القرب من المؤسس والجناح العسكري.

صعود إلى قمة الاستهداف

في 2017، انتُخب السنوار رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزّة خلفًا لإسماعيل هنية، ليصبح الحاكم الفعلي للقطاع المحاصر، وتولى ملفات المصالحة والتهدئة وإعادة الإعمار ومسيرات العودة.

وقد تزامن صعوده هذا مع إدراجه في قوائم العقوبات الغربية بعدما أعلنته الولايات المتحدة عام 2015 على قوائم (الإرهاب)، وهو تصنيف ظل لصيقًا به في الخطاب الغربي.

غير أنه في غزّة كان يوصف بصاحب القرار الأخير في ملفي السلاح والأنفاق والعلاقة مع القاهرة والدوحة وطهران. وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فقد صار بعد 7 أكتوبر 2023 المطلوب الأول لإسرائيل التي حملته مسؤولية التخطيط لعملية “طوفان الأقصى”.

وبعد اغتيال إسماعيل هنية في طهران في 31 يوليو 2024 تغيرت خريطة القيادة؛ ليصعد السنوار مجددًا في 6 أغسطس من العام نفسه إلى رئاسة المكتب السياسي العام للحركة، جامعًا بين قيادة غزّة وقيادة الخارج في سابقة تعكس حجم الفراغ وحجم الثقة التي أولاها له الجناحان السياسي والعسكري معًا في لحظة وجودية انتهت باغتياله صدفةً.

السنوار وهنية (تعبيرية بالـ AI)

الشيطان ورأس الأفعى في الرواية الغربية

لا تختلف القراءات الغربية كثيرًا في وصف السنوار، وقد كتب جون ب. ألترمان المحلل السياسي الأمريكي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، عقب رحيله، أن “العديد من الفلسطينيين اعتبروا السنوار شخصية مؤثرة ذات مصداقية، ولذا فإن رحيله بلا شك يُضعف سيطرة حماس على سكان غزّة”.

وبحسب د. نيل كويليام الباحث المتخصص في شؤون السياسة الخارجية بـ”تشاتام هاوس”؛ فإن “صورة السنوار وهو يموت بزيه العسكري، ورأسه ملفوفًا بالكوفية الفلسطينية، مقاومًا حتى النهاية، ستقنع العديد من الشباب الفلسطينيين بأنه مات شهيدًا يخدم قضية فلسطين”، وبالتالي فإن “نشر جيش الاحتلال لقطات مسيرة تُظهر لحظاته الأخيرة لم يفعل أي شيء لضرب مصداقيته تلك”.

ووفق ناتان ساكس الباحث الإسرائيلي في الشؤون السياسية والسياسة الخارجية بمركز “بروكينجز”، فإن رحيل السنوار باعتباره “العقل المدبّر” لعملية 7 أكتوبر 2023، يُمثل “نقطة تحوّل” محتملة في الحرب، و”فرصة كبرى” أمام التوصل إلى صفقة.

ولكن. هل أوصلنا رحيل السنوار فعلًا إلى صفقة؟

السلام الذي وُقع في شرم الشيخ

بحلول 13 أكتوبر 2025، ومع إصرارها على موقفها الرافض لتصفية القضية وتجهير الفلسطينيين من قطاعهم، استضافت مصر قمة شرم الشيخ للسلام برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، ومشاركة قادة أكثر من 20 دولة ونحو 30 وفدًا بغرض دعم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في 9 أكتوبر بوساطة مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا.

وقد وقّع الوسطاء الأربعة في هذا اليوم وثيقة “إعلان ترامب للسلام الدائم” لتثبيت وقف الحرب وتبادل الأسرى والرهائن وإدخال المساعدات وبحث الحوكمة والأمن وإعادة الإعمار، بينما غاب عن التوقيع ممثلو إسرائيل وحماس.

قمة شرم الشيخ (معدلة بالـ AI)

إلا أنه وخلال عام كامل، أبت إسرائيل أن توقف هجماتها على القطاع، الذي أحصت وزارة الصحة فيه أكثر من 1400 قتيل منذ إعلان وقف إطلاق النار، وثّقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان منها 1076 حالة حتى نهاية يوليو 2026، بينهم 268 طفلًا و126 امرأة و682 رجلًا، إذ شكل الأطفال والنساء 37% من الموثقين.

وبحسب التوثيق الأممي قُتل 331 فلسطينيًا قرب ما يعرف بالخط الأصفر، بينهم 66 طفلًا و27 امرأة كثير منهم كانوا يمارسون نشاطًا مدنيًا عاديًا أو داخل خيامهم، بينما توسعت مناطق الانتشار العسكري من نحو 53% من مساحة القطاع إلى هدف معلن هو 70% بخطوط متحركة لا يعرفها السكان.

كما ارتفعت الحصيلة التراكمية منذ أكتوبر 2023 إلى 74382 حتى 12 أكتوبر 2026، وقالت أكثر من 100 منظمة إن وقف إطلاق النار قائم بالاسم فقط مع مليوني نازح ومستشفيات خارج الخدمة وجوع حاد يهدد 1.4 مليون.

وفي استمرار لكسر الهدنة، أعلنت تل أبيب أمس وقف دخول السلع التجارية إلى القطاع، وقالت هيئة “كوجات” إن “الشاحنات التجارية لم تعد تدخل غزة بسبب خلاف بين التجار وحماس حول رسم 10000 شيكل عن كل شاحنة وطلب 30% من المبيعات نقدًا”.

ووفق الإعلان انخفض إجمالي الشاحنات الإنسانية والتجارية إلى نحو 300 يوميًا بدل 600 الملزمة بموجب اتفاق الوساطة الأمريكية، بينما ردت حماس بأن الرسم مبادرة أهلية طوعية لدعم الأرامل والأيتام، وأن طلب النقد ضرورة لمعالجة شح السيولة.

واعتبر الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف أن التطور يثبت الحاجة لنشر اللجنة الوطنية لإدارة غزة وقوة الاستقرار الدولية لحماية الإمدادات من الإكراه، بينما ظلت اللجنة المشكلة في يناير خارج القطاع حتى اليوم.

ماذا تركت عصا السنوار؟

تبدو المفارقة التي تركتها عصا السنوار أوضح من أي إعلان سياسي، إذ أرادت الكاميرا الإسرائيلية أن توثق نهاية رجل فوثقت بداية أسطورته، وأرادت مصر بتوقيع شرم الشيخ إنهاء الحرب، بينما سعت إسرائيل إلى تصدير أزمة تتيح لها مزيدًا من قتل المدنيين المحاصرين.

وهنا، يتحول السؤال من: من قتل من إلى من يملك حق رواية ما جرى وما يجري؟ ومن يملك حق تقرير ما سيأتي؟

والعصا مع كل هذا لا تحكم ولا تُطعم ولا تفتح معبرًا، وهي امتحان مفتوح لورثة الرجل وخصومه وللمجتمع الدولي كله أمام قطاع لا يزال يبحث عن تأويل لحكايته غير الإبادة.



Source link

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here