لماذا تعجز الدفاعات السعودية عن التصدي لهجمات الحوثيين؟

0
100


بينما تواصل جماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن هجماتها على الأراضي السعودية، تواجه الدفاعات الجوية في المملكة صعوبات معقدة في تأمين المنشآت الحيوية والمطارات ومصافي النفط وشبكات الأنابيب، رغم تخصيص ميزانيات عسكرية ضخمة واقتناء أحدث المنظومات الأمريكية والأوروبية.

وشهدت العاصمة الرياض خلال الأسبوع الماضي ضربات دامية طالت مطارها الرئيسي، كاشفة عن تحديات استراتيجية تواجه شبكات الحماية متعددة الطبقات في التعامل مع التهديدات المتزامنة.

حجم الإنفاق العسكري والتحدي الجغرافي

صنف معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري في السعودية ضمن المراتب العشر الأولى عالميا، كاشفا عن وصول ميزانية الدفاع إلى 83 مليار دولار العام الماضي، شملت شراء مقاتلات أمريكية ومنظومات “باتريوت” و”ثاد” المتطورة، إلى جانب حزم تسليح متقدمة من فرنسا وبريطانيا.

وترتبط معضلة الحماية بالمساحة الجغرافية الشاسعة التي تعادل نحو خمس مساحة أمريكا، وتعدد الجبهات النشطة من 3 جهات رئيسية؛ إذ أطلقت إيران قرابة ألف صاروخ ومسيرة من الشرق خلال ذروة المواجهة هذا العام، في حين استهدفت فصائل عراقية مدعومة من طهران خط أنابيب النفط الرابط بين الشرق والغرب، بالتوازي مع قصف الحوثيين الصاروخي المنطلق من ملاجئ ومنصات إطلاق جبلية في جنوب اليمن.

وأوضح موقع “فيجن 2030 إيه آي”، وهو موقع تحليلي مستقل يتابع التحول الاقتصادي، أن مهمة الدفاع تتطلب حماية شبكة مترامية الأطراف تشمل المدن الكبرى والمصالح الاقتصادية في وقت متزامن، ما يفرض على الرادارات رصد التهديدات وتحديد أولويات الاعتراض وتوجيه إنذارات المدنيين في غضون لحظات خاطفة.

ونقل عن مصدر سعودي مطلع، أن القوات المسلحة تنجح في تدمير أعداد كبيرة من المقذوفات، غير أن كثافة الاستهداف تفرض على وزارة الدفاع قرارات صعبة لتوزيع المنظومات الدفاعية المتاحة بين المواقع المعرضة للخطر.

تطور ترسانة الصواريخ والمسيرات

وظف الحوثيون تكتيكات هجومية تدمج بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وأسراب الطائرات المسيرة بعيدة المدى لتجاوز الدفاعات، وهو نهج يحاكي استراتيجية روسيا في حربها ضد أوكرانيا، حيث يستحيل على أي مظلة دفاعية بمفردها ضمان صد كافة الأهداف الجوية.

وقد وثق خبراء الأمم المتحدة في تقارير سابقة، وجود مكونات ومعدات تقنية إيرانية الصنع جرى إدخالها إلى اليمن بالمخالفة للقرارات الدولية، قبل أن تؤكد لجنة الخبراء الأممية لاحقا أن تدفق التكنولوجيا العسكرية والدعم المالي والتدريب الخارجي للحوثيين بلغ مستويات غير مسبوقة.

وبرزت خطورة المنظومات المستحدثة في طرازي “حاتم-2″ و”فلسطين-2” اللذين يطابقان التصاميم الإيرانية في السرعة ودقة التوجيه، وهي التقنية نفسها التي اخترقت الدفاعات الجوية الإسرائيلية قرب مطار بن جوريون العام الماضي.

وصرح المحلل العسكري أمير بار شالوم لشبكة “سي إن إن” آنذاك، قائلا: “كانت دقيقة للغاية، ومن المثير للإعجاب أن تكون دقيقة للغاية عند إطلاقها من مسافة 2000 كيلومتر”.
وكشف المتحدث باسم القوات الحكومية اليمنية ماجد الزيلي، الشهر الماضي عن تعديل الحوثيين منظومات دفاع جوي إيرانية لضرب الطائرات وصواريخ كروز، موضحا أن “هذه الصواريخ تتحرك لمدة تصل إلى 25 دقيقة لكل صاروخ وتعمل باستخدام نظام تتبع حراري”.

دوافع الحوثيين والوساطة الإيرانية

حافظ الحوثيون على تعزيز حضورهم العسكري مقارنة بتراجع فصائل أخرى موالية لطهران في المنطقة، ورغم الروابط الوثيقة مع إيران ومشاركتهم في مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، إلا أنهم يتحركون بدوافع ذاتية تراكمت خلال سنوات الحرب والحصار الاقتصادي بين عامي 2015 و2022.

وفي يوليو الماضي، تحولت العمليات نحو استهداف الملاحة البحرية والسفن للسعودية في البحر الأحمر، لتمتد الضربات لاحقا نحو منشآت شركة أرامكو والقواعد الجوية؛ للمطالبة بإنهاء الغارات المساندة للحكومة اليمنية وطلب تعويضات مالية بالمليارات.

وقد طرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد طهران لتيسير مفاوضات ثنائية، بينما أعلن القيادي الحوثي محمد البخيتي رفض عروض التهدئة المؤقتة لمدة أسبوعين أو شهر.

وأكد البخيتي أن “المعركة هذه المرة ليست كسابقتها؛ فالساحة لم تعد هي نفسها. كل يوم يمر في هذه المعركة سيزيد من اتساعها وتفاقم خسائرها، والتسوية الممكنة اليوم قد تصبح صعبة أو مستحيلة غدا”.

حسابات الرؤية الاقتصادية وخيارات الرياض

سعت السلطات السعودية إلى الحفاظ على وتيرة الحياة العامة والأنشطة الاقتصادية، حيث أوقفت هيئة الدفاع المدني التنبيهات الهاتفية العامة مؤقتا قبيل ضربات مطار الرياض، قبل أن تستأنف الإنذارات لاحقا مع إعلان اعتراض 3 صواريخ باليستية يوم الاثنين، بحسب شهادات مواطنين ومقيمين لشبكة “سي إن إن”.

وعبر مقيم أجنبي في الرياض لشبكة “سي إن إن” عن قلقه واضطراره لتعليم أطفاله في المنزل مطلع الأسبوع، منتقدا غياب التحذيرات اللحظية وصمت الجهات الرسمية خلال عطلة نهاية الأسبوع بشأن حوادث المطار.

وتقف القيادة السعودية أمام خيارات سياسية وعسكرية معقدة، حيث يصعب القبول بهدنة عقب سقوط أكثر من 12 قتيلا مدنيا في المطار، بينما ينذر التصعيد الجوي المكثف بجلب ضربات مضادة تهدد مشروع ولي العهد محمد بن سلمان الرامي لتحويل العاصمة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة وجذب الاستثمارات، وهو ما ظهرت آثاره باعتذار شركات عالمية كبرى عن حضور مؤتمر البترول العالمي في الرياض هذا الأسبوع قبل انعقاد المنتدى الاستثماري المرتقب.

ويستبعد محللون حسم الصراع ميدانيا عبر هجوم بري بالتعاون مع القوات الحكومية اليمنية لوعورة التضاريس وخبرة الحوثيين القتالية وتكبيدهم القوات الحكومية خسائر فادحة الشهر الماضي، إلى جانب فشل حملة القصف الأمريكية العام الماضي التي تجاوزت تكلفتها مليار دولار وأسفرت عن إسقاط مسيرات “ريبر” متطورة، في حين أكد معهد دراسات الحرب فرض مقاتلي الحوثي البالغ عددهم نحو 350 ألفا حصارا خانقا على مدينة تعز اللوجستية.

مساعي التحالف الدولي ونقص العتاد الأمريكي

تحركت السعودية لبناء شبكة دعم واسعة، حيث أرسلت باكستان آلاف الجنود للمشاركة في الحماية الدفاعية، بالتوازي مع طلب شراء ذخائر ومنظومات دفاعية إضافية من أوروبا وأمريكا لتعويض الاستنزاف الناجم عن التصعيد مع إيران.

وتواجه مساعي التسلح عقبات لوجستية في أمريكا، حيث وثق تقرير صادر عن المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية أن المعارك الموازية “أسفرت عن نقص في المخزون الاستراتيجي وكشفت عن اختناقات في القاعدة الصناعية لإعادة تزويد الذخائر”.

ويتزامن ذلك مع تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التورط بنزاع خارجي جديد قبل 3 أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، مقتصرا على دراسة الرد دون التزام قاطع.

واعتبر السفير الأمريكي السابق لدى الرياض والباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، مايكل راتني، أن التردد الأمريكي يغذي مشاعر التخلي عن الحلفاء وقت الأزمات، موضحا في تحليل سابق أن “المملكة تتعرض لهجوم، ومن الناحية السياسية، عليها الرد. ولكن في نهاية المطاف، ينبغي أن نتوقع عودة إلى الدبلوماسية، دبلوماسية غير كاملة وغير مرضية، ولكنها مع ذلك تخفف من حدة الصراع”، ما يرجح احتفاظ الحوثيين بمواقعهم الميدانية ونفوذهم في اليمن.



Source link

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here